القاضي التنوخي

356

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

188 صوفيّ سمع ، فطرب ، فتواجد ، فمات رأيت ببغداد صوفيا يعرف بأبي الفتح ، أعور ، في مجلس أبي عبد اللَّه ابن البهلول ، يقرأ بألحان ، قراءة حسنة ، وصبيّ يقرأ * ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيه ِ مَنْ تَذَكَّرَ ) * « 1 » . فزعق الصوفيّ : بلى ، بلى ، دفعات ، وأغمي عليه طول المجلس ، وتفرّق الناس عن الموضع . وكان الاجتماع في صحن دار كنت أنزلها ، فلم يكن الصوفيّ أفاق ، فتركته مكانه ، فما أفاق إلى قرب العصر ، ثم قام . فلما كان بعد أيّام ، سألت عنه ، فعرفت أنّه حضر عند جارية بالكرخ ، تقول بالقضيب « 2 » ، فسمعها تقول الأبيات التي فيها : وجهك الميمون حجّتنا حين تأتي الناس بالحجج فتواجد ودقّ صدره ، إلى أن أغمي عليه ، فسقط . فلما انقضى المجلس ، حرّكوه ، فوجدوه ميتا ، فشالوه ، ودفنوه ، واستفاض الخبر بهذا وشاع . والأبيات لعبد الصمد بن المعذّل « 3 » ، وهي في أمالي الصولي عنه بإسناد ثابت في أصول سماعاتي :

--> « 1 » . 37 ك فاطر 35 . « 2 » يعني : تغني بالقضيب ؛ الشرح في حاشية القصة 2 / 180 من النشوار . « 3 » عبد الصمد بن المعذل : أبو القاسم عبد الصمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم العبدي ، من بني عبد القيس من شعراء الدولة العباسية ، ولد ونشأ بالبصرة ، وكان هجاءا شديد العارضة ، ترجمه صاحب الأغاني ترجمة مفصلة ، توفي سنة 240 ( الأعلام 4 / 134 ) .